﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾
 
 

 فائدة مراسم عاشوراء مع بقاء الظلم والفساد  

القسم : متفرقات عقائدية   ||   التاريخ : 2026 / 06 / 23   ||   القرّاء : 485

ما فائدة مراسم عاشوراء مع بقاء الظلم والفساد؟ 

وردني السؤال التالي:

1. *ما فائدة البكاء واللطم مئات السنين والظلم والفساد مستشريان في مجتمعاتنا؟!*

2. *ولماذا لا تتدخَّل السماء؟!*

الجواب:

1️⃣ أوَّلًا:

- السؤال يفترض أنَّ عدم التدخُّل يعني الرضا بالظلم، وهذا باطل.

- فالقاضي العادل قد يؤخِّر الحكم وهو غير راضٍ بالجريمة، والأب قد يترك ابنه يختار مع تحذيره دون أن يكون موافقًا على الخطأ.

- كذلك اللّٰه تعالى لا يحبُّ الظلم ولا يرتضيه البتَّة، لكنَّه منح الإنسان بدوًا حريَّة الاختيار وجعله مسؤولًا عن نتائج أفعاله، خلافًا للحيوانات المنساقة لغريزتها. 

- قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44)﴾ [يونس] 

 

2️⃣ ثانيًا:

- لو كان اللّٰه يتدخَّل لمنع كلِّ ظلم فور وقوعه، لانتفت حريَّة التكليف اللازمة لحريَّة الاختيار.

- فلو شُلَّت يد السارق قبل السرقة، وانعقد لسان الكاذب قبل الكذب، وسقط الحاكم الظالم لحظة تنصيبه أو ظلمه، لما بقي معنًى للاختيار ولا للامتحان الأخلاقيِّ.

- إنَّ الدنيا في المنظور الدينيِّ ليست دار جزاء كامل ليعمَّ فيها العدل السماويُّ، بل دار ابتلاء؛ فقال (عزَّ من قائل): ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ (2)﴾ [تبارك] 

- فالظالم ممتحَن بسلطته، والمظلوم ممتحَن بصبره وموقفه تجاه الظلم والفساد، والمجتمع ممتحَن بقدرته على مقاومة الظلم ومجابهته.

 

3️⃣ ثالثًا:

-إنَّ اللّٰه يتدخَّل أحيانًا، لكنَّه لا يجعل التدخُّل قاعدة مُطَّرِدَة دائمة لا تختلف ولا تتخلَّف.

- فالتاريخ الدينيُّ مليء بأمثلة سقوط طغاة وهلاك أمم ظالمة، لكن لو كان التدخُّل المعجِز دائميَّ الوقوع ومباشرًا لما استقرَّت سنن الحياة، ولأصبحت المعجزة هي السُّنَّة والقانون والقاعدة الأوَّليَّة، والحقُّ أنَّها استثناء.

- وإنَّما السُّنَّة المجعولة من الحقِّ سبحانه هي:

1. الظلم يولِّد الفساد.

2. الاستبداد يُضعف الدول.

3. الطغيان يزرع أسباب سقوط الظلم والفساد والطغيان والاستبداد.

- وعليه، لو تدبَّرنا لوجدنا أنَّ اللّٰه كما أنعم علينا بالمعاجز الاستثنائيَّة، سنَّ أيضًا سُنَّة القيام، فأرسل 124 ألف نبيٍّ ليأخذوا بيد المؤمنين لمواجهة كلِّ ذلك. وأعظم مثال هي الثورة الحسينيَّة.

- ولكن حين تقاعس الناس عن نُصرة الحقِّ، وسكتوا عن السلطان الجائر، تولَّى عليهم شرارهم، ثم دعوا فلم يُستجاب لهم. ومن هنا قيل: "كما تكونون يُوَلَّى عليكم".

 

4️⃣ رابعًا:

- إنَّ الظلم السياسيَّ خصوصًا لا يصنعه الحاكم وحده؛ فَخَلْفَ كلِّ مستبدٍّ شبكة من التابعين المنتفعين والخائفين والصامتين والمبرِّرين. ولذلك نجد القرآن يحمِّل المسؤوليَّة للطاغية وأتباعه معًا؛ فقال في مُحْكَمِ كتابه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ (54)﴾ [الزخرف] 

- فإذا عرفنا ذلك، اقتضى أن لا يكون السؤال: لماذا لم يمنع اللّٰه ظلم الظالم؟! بل: لماذا لم يقم الناس - خصوصًا من يزعمون تبعيَّتهم للحسين الثائر الشهيد - بالواجب الذي كلَّفهم اللّٰه به في مقاومة الظلم والجور لإقامة القسط والعدل؟! 

 

5️⃣ خامسًا:

- من منظور أوسع، إنَّ نظرنا إلى جانب واحد من مشهد الدنيا، يوهمنا أنَّ العدالة يجب أن تكتمل خلال أعمارنا القصيرة، بينما العقيدة الدينيَّة تجعل الحساب النهائيَّ في الآخرة.

- فإذا حصرنا العدالة في الدنيا فقط، بدا المشهد ناقصًا. أمَّا إذا أضفنا مشهديَّة الآخرة، استقام ميزان العدل؛ ولهذا كان جواب القرآن الكريم المتكرِّر للطغاة: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)} [إبراهيم]

- وعليه، ليس التأخير إهمالًا، ولا الإمهال رضًا، بل قد يكون استدراجًا أو ابتلاءً أو إعطاءً للفرصة قبل الحساب.

 

6️⃣ بعبارة أخرى:

- إنَّ اللّٰه لم يخلق عالمًا خاليًا من إمكانيَّة الظلم، بل خلق عالمًا يكون فيه الإنسان مختارًا بين العدل والظلم لا مقهورًا على أيٍّ منهما؛ لأنَّ العدل الذي لا يمكن مخالفته ليس فضيلة، بل انقيادًا غرائزيًّا؛ كما تنقاد النحلة لبناء القفير، وينقاد السبع لافتراس الغزلان.

- وإنَّما الفضيلة في أن يكون الظلم ممكنًا ثمَّ يختار الإنسان العدل رغم ذلك.

- ومن هنا عرفنا أنَّ اللّٰه لم يأذن بوقوع حادثة (كربلاء) لتكون مجرَّد مراسم سنويَّة نحييها ببكاء كنحيب سلبيٍّ على أطلال الظليمة، وإنَّما هي سُنَّة إلهيَّة، الحسين فيها حذوة، لا ينتفع بها إلَّا مَنْ تقلَّدها حتى تصبح عقيدة يعتنقها ويمارسها في وجه كلِّ يزيد. 

- قال الحكيم تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)} [الشمس]

▫️▪️▫️▪️▫️

د. السيد حسين علي الحسيني 

واتساب: 009613804079 



 
 


الصفحة الرئيسية

د. السيد حسين الحسيني

المؤلفات

أشعار السيد

الخطب والمحاضرات

فتاوى (عبادات)

فتاوى (معاملات)

البحوث الفقهية

بحوث فلسفية وأخلاقية

البحوث العقائدية

حوارات عقائدية

متفرقات

سؤال واستخارة

سيرة المعصومين

أسماء الله الحسنى

أحكام التلاوة

الأذكار

أدعية وزيارات

الأحداث والمناسبات الإسلامية

     جديد الموقع :



 حجية الإمام المهدي في عصر الغيبة

 من الحجة بين زمن المسيح والنبي محمد

 الفقه وحسن السمت لا يجتمعان في منافق

 الرد على ابن تيمية في تجسيم الذات الإلهية

 كلام أمير المؤمنين في وصف الدنيا

 مراقبة محاسبة تدبر

 فائدة مراسم عاشوراء مع بقاء الظلم والفساد

 

 الزنا والمشرك

 استحباب أكل اللحم

     البحث في الموقع :


  

     ملفات عشوائية :



 أحكام النفاس

 المتكبِّر الخالق

 المناجاة المنظومة لأمير المؤمنين

 مشي النساء في الشوارع في المناسبات

 عالم الذر

 أماكن التخيير

 نغمة (لا/La) حسيني ومقامها

 الوطن الأصلي والشرعي

 زيارة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام)

 خطر إهمال الخمس

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

Phone : 009613804079      | |      E-mail : dr-s-elhusseini@hotmail.com      | |      www.dr-s-elhusseini.net      | |      www.dr-s-elhusseini.com

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net