|
لماذا خلقنا الله؟ وما الغاية من الابتلاء؟
- إن اللّٰه كريم بكرم لا ينفد، ومحبٌّ بحبٍّ لا يهمد، ومن كانت هذه صفاته لا يُبقي هذا الكرم والحبَّ مُحَبَّسَينِ عنده، كنبع يتدافع ماؤه فيه دون أن يُخرجه إلى سطح الأرض ليُسقي به الحرث والنسل.
- فاقتضى هذا الكرم والحبُّ للّٰه (سبحانه تعالىٰ) أن يوجِد الإنسان ليُنْعِم عليه بهذا الكرم والحبِّ المخفِيَّيْن، عن طريق إخراجه من ظلمة العدم الحقيرة إلى الوجود الأشرف من العدم (بالضرورة)، وهذا مضمون قوله: "كُنْتُ كَنْزًا مَخْفِيًّا (فَأَحْبَبْتُ) أَنْ أُعْرَفَ، فَخَلَقْتُ الخَلْقَ لِكَيْ أُعْرَفَ".
إذ الكرم على صُوَرٍ:
١. من يكرم ضيفه (إذا) نزل بساحه، وهو أدنى الكرماء.
٢. من يستدعي ضيفًا ليجود عليه بكرمه، أو يتكفَّل يتيمًا لا صلة له به، أو يُرَبِّي حيوانا لِيُنَفِّس عن تدافع الحبِّ في أحشائه... وهذا هو أوسط الكرماء.
٣. أمَّا أعلى الكرماء وأرفعهم، فهو الذي لم يكنْ يُوْجَدُ مَنْ يُكْرِمُهُ بالمرَّة، فأوجد بحبِّه وكرمه اللامتناهي مَنْ يفيض عليه بهما، وهو الكريم تعالى، وبه تأسَّى الإنسان بفطرته حينما ينجب أولادًا ليحبَّهم ويكرمهم، ثمَّ بعد أن يذوق طعم هذا الحبَّ، يستعجل أحفاده.
وإليكم ثمانية مواطن من حبِّ اللّٰه:
١. فبالحبِّ أوجده؛ فقد عرفت أنَّ أصل إيجاده لنا على أي نحو كان أَمارة حبٍّ كبير.
٢. وبالحبِّ كرَّمه على كثير من مخلوقاته بالعقل وشرف التكليف.
٣. وبالحبِّ خلق وزيَّن له من الشهوات ما يكفي للاستمتاع في فترة رحلته الدنيويَّة.
٤. وبالحبِّ أضفى على رحلته الحماسة؛ إذ جعلها محلًّا للتنافس.
٥. وبالحبِّ سخَّر له العالم آلة له.
٦. وبالحبِّ أرسل له دلائل تدعوه إلى السير وفق خارطة حياة سعيدة نحو آخرة أسعد، وهم الأنبياء والرسل ورسالاتهم وأوصيائهم.
٧. وبالحبِّ جعله مختارا، فلم يجبره على ما لا يريد.
٨. وبالحبِّ ابتلاه بأنواع البلايا التي ستعترض طريقه في مسيرته نحو الكمال؛ لا لشيء إلا ليذيقه حلاوة الحبِّ في وصْل الحبيب، والعاشق ليس عن هذا المعنى بغريب؛ إذ لا يَعرف الحبَّ إلا من ذاق في سبيله الأوجال، وكان نَهْبًا للأهوال، فلم يُثْنِه ذلك عن حبِّه، والشوق إلى لقائه.
فتلك ثمانية كاملة، {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّٰهِ لَا تُحْصُوهَا}.
- فَمَنْ يفهم ويثبت على هذه المحبَّة، وهم صفوة الصفوة، ذاقت نفسه من حلاوة الحبِّ ما يكفي لِيُبْصِرَ طريق الإياب الذي منه كان وسَلَكَ، فترجع إلى حبيبها الحقيقيِّ الأوحد مطمئنةً راضيةً مرضيةً.
- ومَنْ يسقط، وهو الذي حَرَم نفسه من تذوُّق ذلك الحبِّ بسوء اختياره، كانت له معيشة ضنكًا، ويُحشر يوم القيامة أعمى.
▫️▪️▫️▪️▫️▪️
د. السيد حسين علي الحسيني
واتساب: 009613804079
|