|
شرح حكمة أمير المؤمنين في وصف الدنيا
١. «مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ»
- دار يغرُّ ظاهرُها، ويُحذِّر باطنُها؛ تُريك البقاء وهي إلى الزوال سائرة، وتدعوك إلى المقام وأنت عنها راحل. فهي دار عبور لا دار حبور، وميدانُ اختبارٍ لا موطنُ قرار.
٢. «أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَآخِرُهَا فَنَاءٌ»
- يستقبل الإنسان الدنيا بالبكاء لا بالهناء؛ يولد ضعيفًا محتاجًا، ثم يمضي فيها كادحًا مبتلًى. فأوَّلها عجز وعناء، وآخرها رحيل وفناء؛ وبينهما عُمْرٌ يمضي، وأمل لا ينقضي.
٣. «فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ»
- نعمتها أمانة، وعطاؤها مسؤوليَّة؛ فما في اليد عارية، وما عند اللّٰه باقية. فكلُّ نعمة لها شُكْرٌ، وكلُّ قدرةٍ عليها سؤال وذِكْرٌ.
٤. «وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ»
- الحرام لَذَّةٌ تعبر، وتَبِعةٌ تبقى؛ حلاوته ساعة، وحسرته إلى قيام الساعة. فمن باع الباقي بالفاني، خسر المقصد والأماني.
٥. «مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ»
- إذا امتلأت اليد، امتُحن القلب؛ فطوبى لمن ملك النعمة ولم تملكه، ورأى فضل المنعِم فيها فلم تحجبه عنه. فليس الغنى فيما جمعت، بل ألَّا يستعبدك ما ملكت.
٦. «وَمَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ»
- من علَّق قلبه بما يفنى، أحزنه ما فاته مِمَّا لا يبقى. فاليد قد تخلو والقلب غنيٌّ، وقد تمتلئ الخزائن والقلب شقيٌّ. فالغنى غنى القلب، والفقر فقره؛ ومن استغنى بالله، هان عليه فقد ما سواه.
٧. «وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ»
- من سعى إلى الدنيا كانت له كسراب؛ كلَّما لاح طُمِع فيه، وكلَّما طُورد بَعُد. فلا الطامع شَبِعَ، ولا اللاهث جَمَعَ؛ كلَّما أدرك مطلوبًا وُلد له مطلوب، وكلَّما بلغ مأمولًا لاح له مأمول.
٨. «وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ»
- ليس القعود عن الدنيا تَرْكُ السعي، بل ترك التعلُّق والطمع. فمن زهد فيها أتته طائعة، ونال نصيبه منها ونفسه قانعة.
- فالزاهد ليس من لا يملك شيئًا، بل من لا يملكه شيءٌ؛ يملك الرزق ولا يملكه الرزق، ويأخذ من الدنيا ولا تأخذ الدنيا قلبه.
٩. «وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ»
- من جعل الدنيا مرآةً للعِبرة، أبصر وراء الصورة حقيقة؛ فرأى في الفناء بقاءً، وفي النعمة مُنْعِمًا، وفي الخلق خالقًا، وفي الأثر مؤثِّرًا.
- فالدنيا للعارف آية، والموجودات إلى اللّٰه حكاية؛ ينظر إليها فلا يقف عند صورتها، بل يعبر منها إلى سرِّ دلالتها.
١٠. «وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ»
- ومن جعل الدنيا غايةَ النظر، حجبت عنه نور البصر والبصيرة؛ فتعلَّق بالأثر ونسي المؤثِّر، وافْتُتِنَ بالعطاء وغفل عن المعطي.
خلاصة الحكمة:
- الدنيا للعارف دليل، وللغافل حجاب؛ من نظر بها اعتبر، ومن نظر إليها اغتر؛ ومن جعلها جسرًا عبر، ومن اتخذ الجسر وطنًا ما وصل.
- فلا تجعل ما في يدك يسكن قلبك، ولا تجعل ما خُلق لك يصرفك عمَّن خلقك.
رأى العارف النعمة فدلَّته على المنعِم، ورأى الجمال فدلَّه على مصدر الجمال، ورأى الفناء فدلَّه على البقاء؛ فلم تحجبه الآية عمَّن أظهرها، ولا العطيَّة عمَّن أعطاها.
- فكلُّ ما يفنى لا يصلح غاية، وإنَّما جماله أن يكون إلى ما لا يفنى هداية.
▫️▪️▫️▪️▫️
د. السيد حسين علي الحسيني
واتساب: 009613804079
|