|
📖 آيــــة
قالَ تعالى مخاطبًا أبَوَيْنَا آدمَ وحوَّاءَ (عليهما السلام):
{قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (١٢٤)} [طه]
فما معنى {ذِكْرِي} في الآيةِ الأُولى، ومعنى {مَعِيشَةً ضَنْكًا} في الآيةِ الثانيةِ؟
1️⃣ {ذِكْرِي}
أمَّا معنى {ذِكْرِي}، فقدِ اختلفَ المفسِّرون في معناه على أقوالٍ ثلاثةٍ:
- القول الأول: (القرآن الكريم)
وذلك بما فيه من بيانٍ للمفاهيمِ الاعتقائديَّةِ، وتأصيلٍ للتكاليفِ الشرعيَّةِ، والمبادئِ الأخلاقيَّةِ.
وبعبارةٍ أخرى: هو مجموعُ ما في الدينِ بالجملةِ. (وهو القولُ الغالبُ عندَ السنَّةُ والشيعةِ).
- القول الثاني: (الهداية الإلهية)
وهو كلُّ ما يُذكِّرُ باللّٰهِ تعالى ويهدي إليه.
- القول الثالث: (ولاية آل محمد)
لأنَّهم (عليهم السلام) حججُ اللّٰهِ البالغةُ، والهادون إليه، والدَّالُّون عليه؛ فَهُم مَعْدِنُ الرسالةِ، وخُزَّانُ وَحْيِه، وبابُ مدينةِ علمِه، ونبعُه الصافي الذي تُستقى منه الحقيقةُ المطلقةُ.
أقولُ:
لمَّا سمِّي القرآنُ قرآنًا؛ لأنَّ بعضَه قرينةٌ تدلُّ على بعضِه، فإنَّا نجدُ الآيةَ السابقةَ قرينةً على تاليتِها؛ حيثُ قالَ (عزَّ مِنْ قائلٍ): {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ}.
وهكذا بيَّنَتْ هذه الآيةُ أنَّ الإعراضَ عَنْ (ذكرِ اللّٰهِ) في الآيةِ التاليةِ، هو إعراضٌ عن هُداهُ تعالى.
ولمَّا لم يكنِ القرآنُ الكريمُ نازلًا حينَها، ولم تكنِ الولايةُ لآلِ محمَّدٍ محلَّ تكليفِ أبَوَيْنَا (عليهما السلام)، كشفَ ذلك عَنْ أنَّ المرادَ بالهدى غيرُهما، وهو الاستقامةُ على الفطرةِ القويمةِ المتوفِّرةِ في كلِّ حينٍ، والتي يُزَكِّي إصلاحُها النفسَ، ويدُسُّها انحرافُها.
نعم، لا يرقى الشكُّ إلى أنَّ اتِّباعَ القرآنِ والتَّمَسُّكَ بالعترةِ أكملُ منهاجٍ وأتمُّ صراطٍ لبلوغِ هذا الهدى و(الذكرِ)؛ وذلك بدلالةِ قولِه تعالى بعدَ تنصيبِ أميرِ المؤمنينَ إمامًا وعَلَمًا:
- {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (٣)} [المائدة]
- وكذا بدلالةِ الحديثِ المتواترِ عندَ الفريقينِ عنْ رسولِ اللّٰهِ: "إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُوا: كِتَابَ اللّٰهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ".
2️⃣ {مَعِيشَةً ضَنْكًا}
وأمَّا {مَعِيشَةً ضَنْكًا}، فهي تعني:
– ضيقَ الصدرِ، والقلقَ الروحيَّ، وزعزعةَ الطُّمأنينةِ، وفقدانَ السلامِ، فإنَّ هذه الأمورَ تُخْرِجُ الإنسانَ عَنْ حدِّ الاعتدالِ النفسيِّ جرَّاءَ سلوكِه غيرَ دَرْبِ الهدايةِ والذِّكْرِ، مهما اتَّسَعَتْ لديه المظاهرُ الدنيويَّةُ، وتَرَاكَمَتْ المكاسبُ الماديَّةُ.
وإلى فحوى هذا المعنى ذهبَ الطبريُّ والقرطبيُّ وابنُ كثيرٍ والطباطبائيُّ والكاشانيُّ في تفاسيرِهم.
➖➖➖➖➖➖➖
د. السيد حسين علي الحسيني
واتساب: 009613804079
|