|
نكتة قرآنية: {وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}
- لماذا دعانا اللّٰه إلى عدم الفرح بما يأتينا؟! أليس من الفطرة السليمة أن يفرح الإنسان السويُّ بما يأتيه من خير ونِعمٍ وأرزاق متنوِّعة من مال وبنين وصحَّة وأمان...؟!
الجواب:
- ليست الدعوة إلى عدم الفرح مطلقة، وإنَّما مخصوصة بالفرح الآخذ إلى الفخر والبطر والاغترار والعُجُب؛ فهذا هو الفرح الذي لا يحبُّه اللّٰه كما يظهر من ذيل الآية: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد]
- إذًا، الفرح المدعو إليه هو الفرح الذي يُنسي العبدَ أنَّ غاية النِّعَم هي الاستعانة بها على أمر الآخرة، وليس الافتخار على الناس، أو الشعور بالغنى والاستقلاليَّة؛ فتنقطع صلة القلب باللّٰه تعالى، ويصبح الإنسان عبدًا أو أسيرًا لتلك النِّعَم؛ فهؤلاء المُرادون في قوله تعالى: {إِِنَّ اللّٰهَ لَا يُحِبُّ الفَرِحِينَ (٧٦)} [القصص].
- أمَّا مع التنبُّه إلى فضل اللّٰه، فالفرح محمود ومطلوب بل مأمور به؛ قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا (٥٨)﴾ [يونس]
تدقيق
- ولكن لماذا استعمل اللّٰه فعل (الفرح)، وهو يريد الفخر والبطر...؟! فلماذا لم يقل مباشرة: (لكيلا تفخروا بما آتاكم)؟!
الجواب:
- لأنَّ (الفرح) هو الجذر النفسيُّ الأول الذي يتولَّد عنه الفخر والبطر... فالفرح انفعال قلبيٌّ، أما (الفخر)، فهو: سلوك تجاوز الحدِّ في الفرح بإظهاره للناس على جهة التعالي. و(البطر): سلوك تجاوز الحدِّ في الفرح بجحود النعمة.
- وعليه، كانت دعوة القرآن إلى عدم (الفرح) عبارة عن دعوة لإدارة مسبَّقة للأصل (وهو الفرح)، لا الفرع (الفخر والبطر). فلو قال: (ولا تفخروا) أو ولا تبطروا)، لكانت دعوة إلى ترك مرحلة متأخِّرة عن فساد القلب؛ حيث لا يمكن معه التدارك؛ فإن الفخر والبطر وغيرهما من رذائل الخُلُق تأتي بعد فساد القلب؛ لأنَّها معلولة له.
- إذًا قوله تعالى: ﴿ولا تفرحوا﴾، هو ضبط اللحظة الأولى التي إن تُركت بلا وعي، تحوَّلت تلقائيًّا إلى فخر وبطر... ويكأنَّه يافطة تحذيريَّة بعدم سلوك طريق يؤدِّي إلى الهاوية.
قراءة أعمق
- إنَّ الحاذق المتأمِّل يدرك أنَّ الحقَّ سبحانه حينما قابل في الآية المباركة بين دعوة ترك الأسى على ما فات، والفرح بما أتى وما هو آت، قد وضع ميزانًا نفسيًّا يضمن الراحة في كلِّ حال من ضِيق وفَرَج، ميزانًا يدفع تقلبَّات النفس العاطفيَّة والمزاجيَّة التي يتقاذفها أمران: الأسى على ما لا نملك، والفرح بما نملك. فلنتدبَّر مَلِيًّا.
▫️▪️▫️▪️▫️▪️▫️
د. السيد حسين علي الحسيني
واتساب: 009613804079
|